تناقضات سوق العمل بالنمسا.. 63% من الشركات تشتكي نقص العمال وتستبعد أصحاب الخبرة فوق الخمسين

النمسا ميديـا – فيينا:
يواجه سوق العمل والاقتصاد النمساوي ضغوطاً متزايدة مع تزايد وتيرة العمل على حساب صحة الموظفين، حيث أظهرت نتائج مؤشر “بارومتر التغيير الهيكلي لعام 2026” (Strukturwandelbarometer) الصادر حديثاً عن غرفة العمل (AK Wien) والاتحاد النمساوي للنقابات العمالية (ÖGB) يوم الأربعاء 8 يوليو 2026، أن مكاسب الإنتاجية الأخيرة في الشركات تحققت بشكل أساسي عبر زيادة الأعباء والضغط العصبي المستمر على العمال، في وقت يواجه فيه قطاع التوظيف صعوبات هيكلية حادة في سد العجز من الكفاءات المطلوبة.
الإنتاجية على حساب الصحة و”العمل حتى الاستنزاف”
أشارت نتائج الاستطلاع – الذي أجراه معهد “IFES” بمشاركة نحو 1,500 رئيس مجلس عمالي في مختلف أنحاء النمسا – إلى أن قضية “زيادة الإنتاجية” تمثل الأولوية القصوى داخل 73% من الشركات. ورغم تأكيد أكثر من نصف المشاركين نمو الإنتاجية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فإن هذا التطور لم يأتنِ نتيجة تحسين بيئة العمل أو تطوير آليات مريحة، بل عبر تكثيف الجداول الزمنية ورفع وتيرة الضغط؛ ما قاد إلى تدهور بيئة العمل الداخلية، وبقاء الإجازات المرضية عند مستويات مرتفعة، فضلاً عن تزايد الضغوط الممارسة على الموظفين لدفعهم إلى العمل أثناء فترة المرض أو خلال أوقات فراغهم الرسمية.
أرقام مقلقة: ثلث الموظفين يخشون عدم الصمود حتى التقاعد
حذر “Willi Mernyi”، المدير العام التنفيذي للاتحاد النمساوي للنقابات العمالية (ÖGB)، من الأبعاد الإنسانية لهذه السياسة قائلاً: “إن زيادة الإنتاجية تسير بوضوح على حساب الموظفين. الشركات مطالبة بإدراك أن رأسمالها الحقيقي هو القوة البشرية، والاستمرار في تسريع وتيرة العمل يهدد سلامة وصحة العاملين بشكل مباشر”. وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة، فإن 34% من العاملين (أي ما يقارب ثلث القوة العاملة) يعبرون عن شكوك جدية في قدرتهم النفسية والجسدية على الاستمرار في وظائفهم الحالية حتى بلوغ السن القانونية للتقاعد.
معضلة التوظيف وممارسات “إقصائية” في سوق العمل
من جانب آخر، كشف المؤشر النقابي عن تناقض صارخ في إدارة الموارد البشرية بالنمسا؛ حيث تشتكي 63% من الشركات من صعوبات بالغة في العثور على موظفين جدد، ورغم هذا العجز، تظهر البيانات تمنعاً وتردداً واضحاً من الإدارات في استيعاب فئات معينة؛ إذ تبدي 35% من الشركات رغبة منخفضة للغاية في تعيين العاطلين عن العمل لفترات طويلة، وتتردد 29% منها في توظيف من تجاوزت أعمارهم 50 عاماً. علاوة على ذلك، ترفض 22% من المؤسسات تشغيل أصحاب عقود الدوام الجزئي، بينما تستبعد 17% من الجهات الأفراد الذين لديهم مسؤوليات رعاية عائلية مباشرة، وهو ما يحد من فرص النساء بصفة خاصة ويعزز الفجوات المهنية.
تهميش دور العمال وغياب خطط التأهيل المستدام
شددت “Silvia Hruška-Frank”، مديرة غرفة العمل في فيينا (AK Wien)، على أن محاولات بعض ممثلي قطاع الاقتصاد للمطالبة برفع سن التقاعد تنفصل تماماً عن واقع سوق العمل المنهك الذي يفرز معدلات غياب مرضي قياسية. وفي سياق متصل، أيد 60% من المشاركين ضرورة إشراك الموظفين بشكل أكبر في القرارات الإدارية وصياغة ملامح العمل، غير أن هذه الشراكة لا تُطبق فعلياً في الوقت الراهن إلا داخل منشأة واحدة فقط من بين كل 9 منشآت. ودعت الهيئات النقابية الشركات إلى التركيز على محركات الإنتاجية المستدامة والمتمثلة في:
- تحسين وتطوير العمليات التشغيلية (بنسبة تأييد بلغت 61%).
- إشراك العاملين في اتخاذ القرار (59%).
- التأهيل والتدريب المستمر (51%).
- دعم التحول الرقمي الذكي (41%).